محمد بن محمد ابو شهبة

60

المدخل لدراسة القرآن الكريم

وهناك آثار « 1 » صحيحة عن « ابن عباس » تفيد نزول « التوراة » جملة ؛ منها ما أخرجه النسائي وغيره عن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - في حديث النتوق قال : « أخذ موسى الألواح بعد ما سكن عنه الغضب ، فأمرهم بالذي أمر اللّه أن يبلّغهم من الوظائف ، فثقلت عليهم ، وأبوا أن يقرّوا بها حتى نتق اللّه عليهم الجبل ، كأنه ظلّة ، ودنا منهم حتى خافوا أن يقع عليهم فأقروا بها » . وإذا كانت التوراة ، وهي أعظم الكتب السماوية السابقة ، وأكثرها أحكاما وهداية ، وقد ثبت نزولها جملة واحدة ، فأحر بغيرها من الكتب السماوية - كالإنجيل والزبور وصحف إبراهيم - أن تكون قد نزلت جملة واحدة ، وآية ( الفرقان ) - كما ذكرنا - تدلّ على هذا التعميم وتؤيده . 7 - كيف كان جبريل يتلقى الوحي هذا المبحث من أنباء الغيب ، فلا يطمئن الإنسان إلى رأي فيه إلا إن ورد عن معصوم ، ولم نطّلع في هذا على نقل من المعصوم صلى اللّه عليه وسلم وإنما هي نقول عن بعض العلماء ؛ منها : 1 - ما قاله « الطّيبيّ » : « لعل نزول القرآن على الملك أن يتلقفه تلقفا روحانيّا أو يحفظه من اللوح المحفوظ ، فينزل به على النبي صلى اللّه عليه وسلم فيلقيه إليه ، وكلمة « لعل » لا تفيد القطع ، وإنما تفيد التجويز والاحتمال ، وقد ردد الإمام « الطّيبي » الأمر بين هذين الاحتمالين ، ولم يقطع برأي . 2 - ما ذكره « البيهقي » في تفسير قوله تعالى : إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ( 1 ) [ القدر : 1 ] قال : يريد - واللّه أعلم - إنا أسمعنا الملك ، وأفهمناه إياه ، وأنزلناه بما سمع ، وهذا الرأي أمثل الآراء وأولاها بالقبول ، ويشهد له ما رواه « الطبراني » من حديث « النواس بن سمعان » مرفوعا إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « إذا تكلم اللّه بالوحي أخذت السماء رجفة شديدة من خوف اللّه ، فإذا سمع بذلك أهل السماء صعقوا ، وخرّوا سجدا فيكون أوّلهم يرفع رأسه « جبريل » فيكلمه

--> ( 1 ) الإتقان ج 1 ص 42 .